قطب الدين الراوندي

48

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتعليله عليه السلام نفي صفات المصنوعين عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، معناه أن الفعل في الشاهد لا يشابه الفاعل ، والفاعل غير الفعل ، لان ما يوصف به الغير انما هو الفعل أو معنى الفعل ، كالضرب والفهم فان الفهم والضرب كلاهما فعل والموصوف بهما فاعل . والدليل لا يختلف شاهدا وغائبا ، فإذا كان اللَّه قديما وهذه الأجسام محدثة كانت معدومة ثم وجدت يدل على أنها غير الموصوف بأنه خالقها ومدبرها . ثم قال « فمن وصف اللَّه فقد قرنه » فكأنه عليه السلام قال : أيها الذين يظنون أنهم يعرفون اللَّه وأنهم يوحدونه ثم يصفونه بصفات المخلوقين ليس الأمر على ما تظنونه بل أنتم تجهلونه ، لان كل من وصف اللَّه بصفات المصنوعين فقد جعل له قرينا ومثلا ، وجمع حكمه تعالى وحكم المصنوعين في قرن واحد لان ما شارك الجسم في تحيزه فهو مثله وما شارك الخمرة في هيئتها فهو مثلها . وإذا كان مذهب من يصف اللَّه بصفات المخلوقين يؤدي إلى أن يكون له تعالى قرين فليس هو بموحد بل جعل له ثانيا ، ومن أدى كلامه إلى هذا فقد جعل معبوده ذا أجزاء وأبعاض ، ومن كان هذا طريقه فهو جاهل باللَّه تعالى ، وإذا كان كذلك فلا دين له ، لان أول الدين معرفة اللَّه . ولو قال « فمن وصف اللَّه فقد جهله » كان كلاما مجملا ، ففصله تفصيلا عجيبا وبينه بيانا غريبا . فان قيل : هذا الكلام على الاطلاق ، فبأي دليل قيدته بصفات المخلوقين . قلنا : التناقض في كلام الحكيم غير صحيح ، فلما أثبت في صدر الخطبة للَّه تعالى الصفة بقوله « ليس لصفته حد محدود » وقال في صفة الملائكة بعد هذا في هذه الخطبة « انهم لا يجرون عليه تعالى صفات المصنوعين » ( 1 ) وقال [ هاهنا ]

--> ( 1 ) في م : المخلوقين .